القرطبي
260
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
في التطهر فما تصنعون ) ؟ قالوا : إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء ، رواه أبو داود . وروى الدارقطني عن طلحة بن نافع قال : حدثني أبو أيوب وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك الأنصاريون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " فقال : ( يا معشر الأنصار إن الله قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا ) ؟ قالوا : يا رسول الله ، نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فهل مع ذلك من غيره ) ؟ فقالوا : لا غير ، إن أحدنا إذا خرج من الغائط أحب أن يستنجي بالماء . قال : ( هو ذاك فعليكموه ) وهذا الحديث يقتضي أن المسجد المذكور في الآية هو مسجد قباء ، إلا أن حديث أبي سعيد الخدري نص فيه النبي صلى الله عليه وسلم على أنه مسجده فلا نظر معه . وقد روى أبو كريب قال : حدثنا أبو أسامة قال حدثنا صالح بن حيان قال حدثنا عبد الله بن بريدة في قوله عز وجل : " في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه " ( 1 ) [ النور : 36 ] قال : إنما هي أربعة مساجد لم يبنهن إلا نبي : الكعبة بناها إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، وبيت أريحا بيت المقدس بناه داود وسليمان عليهما السلام ، ومسجد المدينة ومسجد قباء اللذين أسسا على التقوى ، بناهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . الخامسة - ( من أول يوم ) " من " عند النحويين مقابلة منذ ، فمنذ في الزمان بمنزلة من في المكان . فقيل : إن معناها هنا معنى منذ ، والتقدير : منذ أول يوم ابتدئ بنيانه . وقيل : المعنى من تأسيس أول الأيام ، فدخلت على مصدر الفعل الذي هو أسس ، كما قال : لمن الديار بقنة الحجر * أقوين من حجج ومن دهر ( 2 )
--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 264 فما بعد . ( 2 ) هذا البيت مطلع قصيدة لزهير بن أبي سلمى مدح بها هرم بن سنان . والقنة ( بالضم ) : أعلى الجبل وأراد بها هنا ما أشرف من الأرض . والحجر ( بكسر الحاء ) : منازل ثمود بناحية الشام عند وادي القرى . وأقوين : خلون وأقفرن . والحجج : السنون . ( راجع هذا البيت والكلام عليه في الشاهد الرابع والسبعين بعد السبعمائة من خزانة الأدب للبغدادي ) .